السيد محسن الأمين
68
أعيان الشيعة ( الملاحق )
تعبدوا الله وحده وتقلعوا عن الشرك الذي كنتم عليه ( وقد ) صرح بذلك محمود شكري الآلوسي في تاريخ نجد على ما حكي وهو غير متهم في حق الوهابيين فقال ان سعودا غالى في تكفير من خالف الوهابيين وان علماء نجد وعامتهم يسمون غاراتهم على المسلمين بالجهاد في سبيل الله انتهى ( وقد ) صرح بذلك صاحب المنار في مجموعة مقالاته ( الوهابيون والحجاز ) « 1 » فقال : كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجددا للإسلام في بلاد نجد بإرجاع أهله عن الشرك والبدع إلى التوحيد والسنة على طريقة شيخ الإسلام ابن تيمية انتهى وإذا كان هذا اعتقاد صاحب المنار في المسلمين فما باله يكرر في تلك المجموعة نداءه للمسلمين بقوله أيها المسلمون ان الحجاز مهبط دينكم أيها المسلمون إلى متى أنتم غافلون أيها المسلمون ان الله لا يهلك المسلمين الا بقتال بعضهم لبعض أيها المسلمون حسبكم ما بينا لكم إلى غير ذلك بل كان عليه ان يقول أيها المشركون المدعون للإسلام فما باله لا يبالي بالتناقض في كلامه ولعله يريد بالمسلمين خصوص أهل نحلته الوهابية . ومع كل هذه التصريحات التي لا تقبل التأويل والتي نشاهد اعمال الوهابية موافقة لها وسيرتهم عليها فإنهم لا يفترون عن غزو المسلمين والهجوم عليهم في عقر ديارهم وقتلهم وقتالهم كلما سنحت لهم فرصة وأمكنهم ذلك ومناداتهم بقول يا مشركون نرى بعض الوهابيين واتباعهم كصاحب المنار يريدون التبري من هذا المعتقد وستره لما رأوا بشاعته وشناعته وتقبيح الناس له ونفورهم عنهم وتشنيعهم عليهم بسببه وهيهات . فمن رام ستر ذلك والتبري منه صاحب الرسالة الأولى من رسائل الهدية السنية فإنه قال في تلك الرسالة « 2 » : واما ما يكذب علينا سترا للحق وتلبيسا على الخلق ( إلى أن قال ) وانا نضع من رتبة نبينا ( ص ) بقولنا النبي رمة في قبره وعصا أحدنا أنفع له منه . ( إلى أن قال ) وانا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة الا من هو على ما نحن عليه ومن فروع ذلك ان لا نقبل بيعة أحد الا بعد التقرر عليه بأنه كان مشركا وان أبويه ماتا على الشرك بالله إلخ فجميع هذه الخرافات جوابنا عنها سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ فمن نسب إلينا شيئا من ذلك فقد كذب وافترى وان جميع ذلك وضعه علينا أعداء الدين واخوان الشياطين تنفيرا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص عليه بان الله لا يغفره ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء انتهى وتراه في نفس اعتذاره الذي حاول فيه انكار تكفير المسلمين صرح بتكفيرهم وتشريكهم بقوله تنفيرا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله بالعبادة وترك أنواع الشرك فحكم على الناس بأنهم مشركون بشرك العبادة وان من ينسب إلى الوهابية هذه الأشياء يريد تنفير الناس عن التوحيد وترك الشرك فكان بهذا الاعتذار شبيها بما يحكى ان رجلا قال لأعجمي لما ذا تقلبون الذال زايا والقاف غينا فقال ( كزب الزي يغول زلك ) وبما يحكى ان عالما قال لبعض أمراء الحرافشة ان أهل هذه القرية يسبون الدين فمرهم بترك ذلك فأمر الأمير مناديه ان ينادي : ( يا أهل القرية اتركوا مسبة الدين ومن سب منكم الدين فالأمير يحرق دينه ودين دينه ) وهؤلاء يصرحون بان التوحيد لا يتم الا بتوحيد العبادة وان الناس مشركون وغير موحدين بتوحيد العبادة وان 68 الذي أحل دماء المشركين في زمن النبي ( ص ) وأموالهم ودماءهم وسبي ذراريهم هو شركهم في العبادة وان المسلمين مثلهم بلا فرق ومع ذلك يقولون من نسب إلينا انا نكفر الناس فقد كذب وافترى هذه خرافات هذا بهتان عظيم ومن نسب إلينا انا نلزم المبايع الشهادة على نفسه وأبويه بالشرك فقد كذب وافترى واتى بالخرافة والبهتان العظيم هل هذا الا التناقض الذي لا يرضى به لنفسه عاقل ومن نسب إلينا انا نكفر الناس فقد كذب وافترى وقصد بافترائه تنفير الناس عن الرجوع عن شركهم إلى إخلاص التوحيد فهذا هو الاعتذار الذي وضع صاحب المنار فوقه الخطوط المستطيلة ليكون عذر الوهابية بارزا جليا للأنظار ومن يكون أساس مذهبهم ومحوره الذي يدور عليه كفر وشرك المسلمين واستحلال أموالهم ودمائهم وسبي ذراريهم وكتبهم مشحونة بالتصريح بذلك وقد طبع منها الألوف ألا يخجلون من إنكاره والتبري منه بعبارة هي إقرار به ولئن صح عنهم قولهم عن النبي ( ص ) انه طارش ومضى وانه رمة في قبره وعصا أحدنا أنفع له منه أو لم يصح فجعلهم قبر النبي ( ص ) وثنا وتعظيمه والتبرك به شركا ومنعهم من زيارته أو من شد الرحال اليه وغير ذلك لا يقصر عن هذا القول ومعتقده لا يستبعد منه قول ذلك ( وممن ) رام ستر ذلك والتملص منه عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب فإنه قال في الرسالة الثانية من رسائل الهدية السنية : « 3 » فان قال منفر عن قبول الحق يلزم من قطعكم ان من قال يا رسول الله أسألك الشفاعة انه مشرك مهدور الدم ان يقال بكفر غالب الأمة لا سيما المتأخرين لتصريح علمائهم ان ذلك مندوب وشنوا الغارة على المخالف ( قلت ) لا يلزم لأن لازم المذهب ليس بمذهب كما لا يلزم ان نكون مجسمة وان قلنا بجهة العلو ونقول فيمن مات تلك أمة قد خلت ولا نكفر الا من بلغته دعوتنا وقامت عليه الحجة وأصر مستكبرا معاندا كغالب من نقاتلهم اليوم وغير الغالب انما نقاتله لمناصرته لمن هذه حاله ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون والإجماع في ذلك ممنوع قطعيا ومن شن الغارة فقد غلط ولا بدع فقد غلط من هو خير منه عمر بن الخطاب في مسألة المهر فلما نبهته المرأة رجع بل غلط الصحابة والنبي بينهم فقالوا اجعل لنا ذات أنواط ثم قال ( فان قلت ) هذا فيمن ذهل فلما نبه انتبه فكيف بمن حرر الأدلة وعرف كلام الأئمة وأصر حتى مات ( قلت ) ولا مانع ان نعتذر له ولا نقول بكفره لعدم من يناضل في هذه المسألة في وقته بلسانه وسيفه وسنانه فلم تقم عليه الحجة بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا ومن اطلع عليه اعرض عنه ولم تزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن النظر في ذلك وقد رأى معاوية وأصحابه منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقتاله وهم مخطئون بالإجماع واستمروا على الخطا حتى ماتوا ولم يكفرهم أحد من السلف ولا فسقهم بل اثبتوا لهم أجر الاجتهاد ولا نقول بكفر من صحت ديانته وشهر صلاحه وورعه وزهده وبذل نفسه لتدريس العلوم النافعة والتأليف فيها وان أخطأ في هذه المسألة كابن حجر الهيتمي فانا نعرف كلامه في الدر المنظم « 4 » ونعتني بكتبه ونعتمد على نقله ( أقول ) اعتذاره عن لزوم تكفير غالب الأمة بل كلها عدى الوهابيين بان لازم المذهب ليس بمذهب فذهابهم إلى أن من قال يا رسول الله أسألك الشفاعة مشرك مهدور الدم وان
--> ( 1 ) صفحة 6 . ( 2 ) ص 40 . ( 3 ) ص 44 . ( 4 ) اسم كتابه الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي المكرم لا الدر المنظم فالظاهر أنه وقع سهو في ابدال أحدهما بالآخر وهذا الكتاب هو الذي يرد فيه على ابن تيمية ويذمه بأقبح الذم وسيأتي نقل كلامه فيه في فصل زيارة القبور وهو الذي أشاروا اليه بقولهم فانا نعرف كلامه إلخ .